بقلم الدكتور طلال عثمان
لم تكن مجرد مباراة في دور الـ32… كانت ليلة فاصلة في تاريخ الكرة المصرية، ليلة خرجت فيها مصر من عباءة الماضي، وكتبت سطرًا جديدًا في كتاب المونديال، سطرًا عنوانه: «الفراعنة إلى ثُمن النهائي لأول مرة».
مصر 4 – 2 أستراليا (ركلات الترجيح)… بعد تعادل 1–1 في الوقتين الأصلي والإضافي
على أرض ملعب أرلينغتون قرب دالاس، عاش المصريون واحدة من أكثر المباريات توترًا وإثارة في مشاركاتهم الأربع في كأس العالم. مباراة بدأت قوية، ومرت بمنعطفات صعبة، وانتهت بفرحة انفجرت كالعاصفة في المدرجات وعلى أرض الملعب.
هدف مبكر… ثم اختبار قاسٍ
- إمام عاشور، الذي دخل المونديال بثقة جديدة، ارتقى في الدقيقة 13 ليضع رأسية رائعة بعد عمل جماعي بدأه محمد صلاح من كرة ثابتة، وتابعها كريم حافظ بعرضية مثالية.
- عاشور، الذي صام عن التسجيل في 29 مباراة دولية قبل البطولة، أصبح الآن أحد مفاتيح الهجوم المصري بهدفه الثاني في المونديال.
هدف عكسي يعيد الأستراليين
في الدقيقة 55، أخطأ محمد هاني في تشتيت كرة ثابتة، فوضعها برأسه في مرماه. لحظة قاسية على لاعب قدّم أداءً كبيرًا في البطولة رغم سوء الحظ، إذ سبق أن سجل هدفًا عكسيًا أمام بلجيكا، لكنه أيضًا صنع هدفًا أمام نيوزيلندا.
صلاح… القائد الذي يلعب رغم الألم
دخل محمد صلاح المباراة أساسيًا رغم شكوك كبيرة حول جاهزيته بسبب شدّ عضلي. أنهى دور المجموعات كثاني أكثر اللاعبين صناعة للفرص في البطولة (11 فرصة)، خلف البلجيكي تروسار (13)، ما يعكس تأثيره الهائل رغم الإصابات والضغط.
تحديات التشكيل… وحلول حسام حسن
المدرب حسام حسن واجه غيابات مؤثرة:
- مهند لاشين (إيقاف)
- محمد عبد المنعم وأحمد فتوح (إصابة)
فاضطر إلى تعديلات عديدة، أبرزها عودة حمدي فتحي بعد التعافي، وإشراك كريم حافظ الذي لم يلعب سوى 7 دقائق قبل هذه المباراة… لكنه صنع هدفًا تاريخيًا.
لحظات كادت تحسم المباراة قبل النهاية
- عمر مرموش أهدر فرصة ذهبية في الدقيقة 46.
- رامي ربيعة كاد يسجل هدف الفوز في الدقيقة 90+4 برأسية أبعدها الحارس باتريك بيتش ببراعة.
- صلاح جرّب حظه بتسديدة قوية، ثم هيثم حسن، لكن الدفاع الأسترالي صمد حتى النهاية.
-
ركلات الترجيح… حين يتفوّق البدلاء
قبل الركلات، دفع الأستراليون بحارس الخبرة ماثيو راين، وردّ حسام حسن بإشراك محمود صابر خصيصًا للتسديد.تسلسل الركلات
- محمود صابر يسجل الأولى لمصر.
- هاري سوتار يهدر الأولى لأستراليا.
- رامي ربيعة يسجل بثقة.
- محمد صلاح يسجل «بانينكا» مذهلة… لقطة ستبقى في الذاكرة.
- أوير مابيل يسجل لأستراليا.
- لوكاس هيرينغتون يهدر الركلة الرابعة.
- حسام عبد المجيد… البديل الذي دخل ليكتب التاريخ، يسدد الركلة الرابعة لمصر، الركلة التي أطلقت العنان لفرحة لا تُنسى.
«والله وعملوها الرجالة»… لحظة انفجار الفرح
رقص اللاعبون، غنّى الجمهور، ورفرفت الأعلام المصرية في المدرجات. إنه الإنجاز الذي انتظره المصريون منذ 1934… تأهل تاريخي إلى ثُمن النهائي، بعد أول فوز في تاريخ مشاركاتهم، وبعد أداء جماعي ناضج وهادئ ومرن.
محمد صلاح لم يكن مجرد قائد للمنتخب المصري في مونديال 2026… كان العقل الهجومي، والروح القيادية، واللاعب الذي يغيّر شكل الفريق بمجرد وجوده في الملعب. ورغم الإصابات، ورغم الضغط، ورغم الشدّ العضلي الذي أثار الشكوك قبل مباراة أستراليا، قدّم صلاح واحدًا من أكثر عروضه نضجًا في مسيرته الدولية
الدور المحوري في صناعة اللعب
الرقم الأبرز في مسيرة صلاح خلال دور المجموعات: ثاني أكثر لاعب صناعة للفرص في البطولة (11 فرصة) متفوّقًا على معظم صناع اللعب العالميين، ولا يتقدمه سوى البلجيكي لياندرو تروسار (13).
هذا الرقم لا يعكس مجرد تمريرات، بل يعكس:
- قدرة على خلق الحلول في لحظات الضغط.
- رؤية مميزة في الثلث الأخير.
- تحرّكات ذكية بين الخطوط.
- تمريرات مفتاحية تضع المهاجمين في وضعية تسديد مباشرة.
صلاح في هذا المونديال لم يكن جناحًا تقليديًا… بل كان صانع لعب متقدم، يهبط إلى العمق، ويجذب المدافعين، ويخلق المساحات لمرموش وعاشور.
ثانيًا: التأثير النفسي والقيادي
رغم الإصابة، ورغم الشدّ العضلي، ورغم الشكوك، دخل صلاح مباراة أستراليا أساسيًا… وهذا القرار كان له تأثير نفسي هائل على الفريق.
وجوده في الملعب:
- يرفع ثقة اللاعبين.
- يربك الخصم.
- يمنح المنتخب شخصية هجومية واضحة.
- يخلق شعورًا بأن مصر قادرة على التسجيل في أي لحظة.
حتى في لحظات التراجع، كان صلاح هو اللاعب الذي يطلب الكرة، ويهدّئ الإيقاع، ويعيد تنظيم الهجمة.
ثالثًا: النضج التكتيكي
صلاح في هذا المونديال لعب بثلاثة أدوار مختلفة:
1) جناح أيمن كلاسيكي
عندما تحتاج مصر إلى اتساع الملعب وسحب الظهير.
2) صانع لعب حر
عندما يدخل إلى العمق ويبدأ صناعة الفرص.
3) مهاجم ثانٍ
عندما يتقدم خلف مرموش أو عاشور في لحظات الضغط.
هذا التنوع منح حسام حسن مرونة تكتيكية كبيرة، خصوصًا مع غياب مهند لاشين وعبد المنعم وفتوح.
إمام عاشور قدّم في مونديال 2026 واحدًا من أكثر عروضه نضجًا وتأثيرًا منذ انضمامه للمنتخب المصري. لم يكن مجرد لاعب وسط هجومي… بل كان دينامو المنتخب، ومفتاح التحولات، وصاحب الحضور البدني والتكتيكي الأكثر ثباتًا في الفريق خلال البطولة.
التحولات الهجومية… عاشور صانع الإيقاع الجديد
إمام عاشور لعب دورًا محوريًا في الربط بين الوسط والهجوم، خصوصًا في ظل غياب مهند لاشين للإيقاف، واعتماد حسام حسن على مرموش وصلاح في الثلث الأخير.
أبرز ما قدّمه عاشور:
- تحرّكات ذكية بين الخطوط تفتح المساحات لصلاح ومرموش.
- استلام تحت الضغط وقدرة على تدوير الكرة بسرعة.
- تمريرات عمودية تكسر خطوط الخصم.
- تسديدات من خارج المنطقة تهدد المرمى باستمرار.
عاشور كان اللاعب الذي يغيّر إيقاع الهجمة… يسرّع حين يجب، ويهدّئ حين يحتاج الفريق إلى توازن.